حسن النجار يكتب : افتحوا أبواب المحليات.. فالدولة القوية لا تخشى المشاركة الشعبي
حسن النجار :المجالس المحلية ليست مجرد انتخابات.. بل اختبار حقيقي لشفافية الأحزاب وقدرتها على صناعة قيادات تخدم المواطن لا المصالح الضيقة
حسن النجار : يكتب
تلقيت رسالة من أحد الأصدقاء السياسيين المخضرمين في مسقط رأسي بمحافظة الشرقية، حملت عنوانًا بسيطًا في كلماته، عميقًا في معانيه: «افتحوا الأبواب»، وهي رسالة تستحق التوقف أمامها، لأنها تطرح تساؤلات مشروعة في توقيت بالغ الأهمية، مع اقتراب استحقاق طال انتظاره، وهو عودة انتخابات المجالس المحلية بعد سنوات طويلة من الغياب.
انطلقت الرسالة من قناعة راسخة بأن توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن المضي نحو استكمال بناء مؤسسات الدولة، وفتح الطريق أمام انتخاب المجالس المحلية، تمثل إشارة واضحة لبدء مرحلة جديدة من المشاركة الشعبية، وهي خطوة طال انتظارها لتعزيز الرقابة المحلية، ودعم جهود التنمية، وتوسيع قاعدة المشاركة في صناعة القرار.
غير أن نجاح هذه التجربة لا يتوقف عند إصدار القانون أو تحديد موعد الانتخابات، وإنما يبدأ من آليات التنفيذ، ومن المعايير التي ستُبنى عليها عملية اختيار المرشحين.
وهنا تبرز القضية الأكثر أهمية… من الذي سيطبق هذه المعايير؟
فالمعايير قد تكون مكتوبة وواضحة، لكن تطبيقها هو الاختبار الحقيقي. وإذا كانت الأحزاب تمتلك لوائح تنظم اختيار مرشحيها، فإن السؤال يبقى: هل ستكون الكفاءة والنزاهة والخبرة هي الأساس، أم ستفرض المجاملات الشخصية، ورد الجميل، وتسديد الحسابات القديمة نفسها على المشهد؟
إن كثيرًا من النواب سيجدون أنفسهم أمام ضغوط مؤيديهم، ورغبات العائلات، وحسابات الدوائر الانتخابية، وهو ما قد يفتح الباب أمام ترشيحات لا تستند إلى الكفاءة بقدر ما تستند إلى العلاقات الشخصية أو النفوذ الاجتماعي.
ولا يعني ذلك التقليل من دور النواب أو التشكيك في نواياهم، وإنما هو تنبيه إلى تحدٍ حقيقي يستوجب وجود ضوابط شفافة وآليات واضحة تمنع تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
ومن الإنصاف أيضًا ألا نتعامل مع كل ما سبق ثورة الخامس والعشرين من يناير باعتباره تجربة فاشلة بالكامل، فليست كل التجارب السابقة كانت سلبية، بل إن بعضها قدّم نماذج ناجحة في العمل المحلي يمكن الاستفادة منها وتطويرها بما يتناسب مع الجمهورية الجديدة، بعيدًا عن الأحكام المطلقة أو الإقصاء غير المبرر.
فالبناء الحقيقي لا يبدأ من الصفر، وإنما يقوم على مراجعة التجارب السابقة، والاحتفاظ بما أثبت نجاحه، وتصحيح ما أثبت الواقع قصوره.
كما أن نجاح المجالس المحلية المقبلة يتطلب تحقيق التوازن بين الخبرة والشباب، وهو ما حرص عليه القانون من خلال تحديد نسب تمثيل الفئات المختلفة، إلا أن هذا التوازن ينبغي ألا يكون شكليًا، وإنما قائمًا على الكفاءة والقدرة على العطاء، حتى لا تتحول النسب إلى مجرد أرقام تفتقد المضمون.
ويبقى الرهان الأكبر على الشفافية.
فالشفافية وحدها هي الكفيلة بإعادة ثقة المواطن في العملية الانتخابية، وهي الضمانة الحقيقية لعدم تكرار أخطاء الماضي، ولإقناع المواطن بأن صوته هو الذي يصنع الفارق، وليس الترتيبات المسبقة أو الحسابات الضيقة.
وتبقى هناك مجموعة من الأسئلة التي تفرض نفسها بقوة:
إلى أي مدى ستكون هناك حرية حقيقية أمام الناخب لاختيار من يمثله؟
وهل ستكون المنافسة مفتوحة بين الجميع وفق معايير عادلة، أم أن هناك حسابات أخرى ستحدد شكل المشهد قبل أن يبدأ؟
وهل نتجه بالفعل إلى انتخابات محلية تعكس إرادة المواطنين، أم إلى قوائم يتم إعدادها مسبقًا ثم تُعرض على الناخبين؟
وهل ستنجح الأحزاب في إدارة المنافسة داخل دوائرها باعتبارها منافسة سياسية شريفة، بعيدًا عن الصراعات الشخصية والعائلية؟
ثم ماذا عن دور المحافظين، ورموز المجتمع، وأصحاب الخبرة والحكمة؟ وهل سيكون لهم دور استشاري يسهم في دعم التجربة الجديدة وإثرائها، بما يخدم الصالح العام؟
إن الدولة المصرية اليوم أكثر قوة واستقرارًا وثقة من أي وقت مضى، ولذلك فإن توسيع المشاركة الشعبية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مصدر قلق، بل باعتباره أحد أهم ضمانات الاستقرار، وأحد ركائز الجمهورية الجديدة التي تقوم على الشراكة بين الدولة والمواطن.
إن فتح أبواب المجالس المحلية خطوة ضرورية، لكن الأهم أن تُفتح معها نوافذ الشفافية، وأن يكون الطريق إلى المجالس المحلية مفتوحًا أمام أصحاب الكفاءة والقدرة على خدمة الناس، لا أمام أصحاب المصالح أو النفوذ.
فالمواطن المصري أصبح أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التمييز بين من يسعى إلى خدمة الوطن، ومن يسعى إلى خدمة نفسه.
ولهذا، فإن بناء المحليات الجديدة يجب أن يكون قائمًا على المنافسة الشريفة، والشفافية الكاملة، واحترام إرادة الناخب، حتى تصبح المجالس المحلية شريكًا حقيقيًا في التنمية، لا مجرد استحقاق انتخابي جديد.
فلتُفتح الأبواب… ولتُفتح معها النوافذ أيضًا، حتى يدخل هواء الإصلاح الحقيقي، وتبدأ مرحلة جديدة عنوانها المشاركة، والكفاءة، والمسؤولية.
حفظ الله مصر وحفظ الله الوطن وحفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار ؟

اقرا ايضا | فارس الكلمة.. حسن النجار يجسد رسالة الصحافة في خدمة الوطن والمجتمع







